الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
210
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وانّما مذهب لا يجامع السياسة مذهب الشيعة حيث لا يرون لغير أمير المؤمنين عليه السلام وأحد عشر من عترته حقّا ولا أهل حق والسياسة ليست قائلة بحق ، فمذهب الشيعة بالضد ممّا قالوا لم يمنع من نشره الّا السياسة ، ولمّا أنشأ المعتضد كتابا بلعن معاوية مستدلّا فيه بالكتاب والسنّة والحجج الجليّة وأراد نشره ، قال له قاضيه يوسف بن يعقوب : أخاف أن تضطرب العامّة فقال المعتضد : ان تحرّكت العامة أو نطقت وضعت فيهم سيفي . قال له : « فما تصنع بالطالبيين الّذين هم في كل ناحية يخرجون ويميل إليهم كثير من الناس بقرابتهم من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبمآثرهم ، وفي هذا الكتاب اطراؤهم ، وإذا سمع الناس ذلك كانوا إليهم أميل وكانوا أبسط ألسنة ، وأثبت حجّة منهم اليوم » - فأمسك المعتضد عن جوابه ولم يردّ عليه شيئا ، ولم يأمر في الكتاب بشيء ( 1 ) . وملوك آل بويه كانوا شيعة متدينين ، وكانوا متمكنين من خلع العباسيين ونصب العلويين كالرضي والمرتضى ، ولم يفعلوا ذلك سياسة . وكيف لا يشحّون عليه عليه السلام فمع علمهم بأنهّ لو صار الأمر إليه عليه السلام لم يدع صيرورته إليهم أبدا ، علموا أنّهم لو صرفوا النظر عن وصول الأمر إليهم لم يدعهم إذا وصل الأمر إليه وهو أهم لتنمرّه في ذات اللّه كما أفصحت عنه سيدّة نساء العالمين فقالت : ما نقموا منه عليه السلام إلّا تنمرّه في ذات اللّه ( 2 ) . وقد كان عمر بن عبد العزيز مع أنه انما كان صالحا بالنسبة إلى بني اميّة لا بالنسبة إلى الواقع لم يقدر سليمان بن عبد الملك على نصبه لهواه فيه حتّى دبّر في أمره بجعل أخيه يزيد بن عبد الملك بعده ، ولما أراد
--> ( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 8 : 189 ، سنة 284 . ( 2 ) رواه عن السقيفة للجوهري الأربلي في كشف الغمة 2 : 118 ، ورواه جماعة أخرى أيضا .